منتديات قرية الموسياب
مرحباً بك عزيزي الزائر، فضلاً قم بالتسجيل ان لم تكن عضواً مسجلاً معنا

منتديات قرية الموسياب

منتدى اجتماعي وثقافي الهدف منه لم شمل أبناء المنطقة والتواصل فيما بينهم
 
الرئيسيةاليوميةالبوابةس .و .جبحـثالتسجيلدخول
أعزائي أعضاء المنتدى: نفيدكم بأن باب الترشيح مفتوح  حالياُ للجهاز
الاشرافي على المنتدى
أعزائي: مرحباُ بكم في منتداكم

سبحان الله العظيم     سبحان الله وبحمده

بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» الكرابيج
السبت يناير 17 2015, 05:21 من طرف abdellatif

» علي كيفي للكتيابي
الخميس يوليو 17 2014, 07:56 من طرف abdellatif

» تاريخ قرية الموسياب
الخميس يوليو 17 2014, 07:44 من طرف abdellatif

» لكل من لديه وقت فراااغ ويرغب في العمل
الأحد مايو 13 2012, 14:59 من طرف شرف

» شهر رمضان الكريم
الإثنين يوليو 25 2011, 04:00 من طرف شرف

» يشيلك الشال حبوبتي
الخميس يونيو 30 2011, 00:14 من طرف abdellatif

» ملفات التعذيب:رسالة العميد محمد احمد الريح للدكتور عبدالوهاب الافندي واحمد كمال(صحفيين)ا
الخميس يونيو 23 2011, 14:44 من طرف زائر

» احوال الناس
الأربعاء يونيو 22 2011, 01:58 من طرف abdellatif

» القصيدة المعتمة
الأربعاء يونيو 22 2011, 01:50 من طرف abdellatif

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الصفحة الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
منتدى
التبادل الاعلاني
احداث منتدى مجاني

شاطر | 
 

 السمندل في غياهب الغياب

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
abdellatif
مدير
مدير


عدد المساهمات : 91
نوع العضوية : 5
تاريخ التسجيل : 23/06/2010

مُساهمةموضوع: السمندل في غياهب الغياب   الإثنين يوليو 26 2010, 15:33

السمندل في غياهب الغياب 1-3 ... د. نجاة محمود محمد الأمين
التاريخ: الخميس 01 أغسطس 2002
الموضوع: أقواس

الفصل الأول 1-3

محمد عبد الحي .. حياته وأدبه

المبحث الأول : سيرته

عندما نقف على حياة أديب أو شاعر ما نجدها في مجملها حافلة بالتجارب ، قد تكون تجارب إيجابية ، وقد تكون كذلك تجارب سالبة ، ولكن كل هذه التجارب حلوها ومرها ، هي التي تكوّن روح ذلك الشاعر أو الأديب ، وبالتالي عندما يكتب إبداعه حتى لو لم يشر إليها مباشرة نجدها تشكل وعيه بالأشياء ورؤيته الخاصة ، ولذلك قال البعض إن الأديب " مرآة عصره " ومن ثم إذا كان عمل الأديب أو الشاعر يحل في عالمنا " الموضوعي " إلا أنه عصارة " ذاتية " ما وقد يرى البعض غير ذلك .

ومن هذا المنطلق أرى أن نقف أولاً على حياة الشاعر محمد عبد الحي ، حتى يتأتى لنا أن نفهم بعض ما يغيب عنا من شعره ، فمحمد عبد الحي ليس شاعراً عادياً في السودان ، وحتى في الوطن العربي ، فهو قبل أن يكون شاعراً فهو مثقف ، ومفكر ، وأستاذ جامعي ، استخدم موهبته الخلاقة وإبداعه ، ليشكل عالمه ويطرح قضايا فلسفية عميقة ، فلا غرو أن كثيراً من الناس يرون أن شعره صعب على الفهم ، ولذلك نجده قد ملأ قصائده بالحواشي والشروحات ، ولكن أيضاً هذا لا يعني أنه شاعر متعالٍ أو شاعر صفوة ، لأنه كتب عن أشياء مألوفة ، وهو شاعر كوني يتحدث في شعره عن البحار ، والزواحف ، والحيوانات الوحشية ، والأليفة والخرافية ، فهو ينظر إلى هذا الكون " بكلية " فنجده يبحث عن علاقة الإنسان بالكونيات وليست بتجاربه الإنسانية فقط .

ومن ثم ارتأيت أن أقسم حياته إلى ثلاث مراحل ، هي :

المرحلة الأولى (1944 ـ 1967):

تبدأ منذ الميلاد ، مروراً بمرحلة الدراسة التي تدرج فيها إلى قمة التعليم ، كما ذكرت أن محمد عبد الحي مختلف عن جيله ، فهو ينتمي إلى أسرة ثرية وعصرية ذات أصول تركية ، فوالده الجيل الثاني من مهندسين تلقوا تعليماً حديثاً ، وبالتالي تلقى محمد عبد الحي تعليمه في النظام الحديث ، ومن المعروف أن هذا النوع من التعليم هو تعليم علماني ، فهو قد درس في مدارس حكومية انتهت بجامعة الخرطوم مروراً " بحنتوب " (1) ولهذا نرى أنه كان متفوقاً في دراسته وإلا ما سنحت له الدراسة في هذه المؤسسات التي يعد الانتساب إليها مفخرة فهو مقارنة بغالبية الشعراء السودانيين نجده مختلفاً جداً في نشأته ، إذ أن غالبيتهم نشأوا نشأة دينية تقليدية ، على سبيل المثال الشاعر محمد المهدي مجذوب نشأ نشأة دينية نجده يتحدث عن ذلك في مقدمة ديوان (نار المجاذيب) قائلاً :

" رأيت طفولتي الباكرة على ضوء هذه النار المباركة نار المجاذيب ، ونفرت إليها وسمعت حديثها ، وتحكمت وانتشيت وغنيت دفع بي أبي إلى ضوء هذه النار فرأيت وجه شيخي وسيدي شيخ الفقراء الورع الحافظ ، الفقيه محمد ود الطاهر". (2)

وكذلك الشاعر " تاج السر الحسن " والشاعر " التيجاني يوسف بشير " وغيرهم كلهم ينتمون إلى أسر سودانية تقليدية وكذلك درسوا في بداية حياتهم في الخلاوي المنتشرة آنذاك . ولذلك نجد أن عبده بدوي قد ذكر في كتابه ( الشعر في السودان ) أن التصوف والتدين ظاهرة في الشعر السوداني ولذلك لا يتأتى الكتابة عن شاعر سوداني دون إفراد فصل كامل عن أصوله الدينية. (3)

بعد أن تخرج الشاعر في جامعة الخرطوم سنة 1967 ذهب إلى إنجلترا للدراسات العليا حيث نال درجة الماجستير سنة 1969 من جامعة " ليدس Leeds " ثم نال درجة الدكتوراه من جامعة أكسفورد في سنة 1972م.

المرحلة الثانية :

تبدأ هذه المرحلة برجوعه إلى السودان وعمله أستاذاً مساعداً في كلية الآداب جامعة الخرطوم سنة 1972 إلى أن مرض في سنة 1980.

المرحلة الثالثة :

تبدأ بعد مرضه في عام 1980 إلى أن انتقل رحمه الله إلى الرفيق الأعلى سنة 1989م . لقد ذكر سعد عبد الحي أنه كان يكتب وقدم ندوة في إنجلترا بعد مرضه ، ولكني أشك في ذلك لأني بمراجعة بعض الرسائل الإخوانية لأصدقائه ، لاحظت الكثير من الأخطاء الإملائية والنحوية والأسلوبية ولذلك لا أعتقد أنه كتب شعراً بعد ذلك . والجدير بالذكر أنني كنت قد قابلته في عام 1983 إثر نشر مقالة كتبتها عن " العودة إلى سنار" نشرت في مجلة الزرقاء لرابطة سنار الأدبية - وكان قد اطلع عليها - وعرفت فيما بعد أنه مغرم بقراءة ما يكتب عنه ، عندما قابلته كانت آثار المرض ظاهرة في طريقة حديثه فهو يستجيب ببطء للحديث وعندما أبديت هذه الملاحظة للصديق عبد الرحمن عبد الله (4) الذي صحبني له قال لي إنها عادته في الكلام فهو لا يتكلم دون أن يفكر . واللَّه أعلم.

المرحلة الأولى :

1 ـ الميلاد :

ولد الشاعر محمد عبد الحي في الخرطوم بتاريخ 11/4/1944م وتوفي رحمه الله في مستشفى سوبا الجامعي إثر نكسة صحية في 23/8/1989م وهو في السادسة والأربعين من عمره .

2 ـ النشأة:

كان والد الشاعر يعمل مهندساً في المساحة ، حيث تنقل كثيراً في أقاليم السودان المختلفة مثل : "جبل أولياء" ، و" الرنك" و" جبال النوبة" ، ومناطق النيل الأزرق ، " ودمدني" ، " كورتى" و" أبو حمد" في الشمالية . وقد كان الشاعر يرافق والده في تنقله مما مكنه من معرفة الثقافات السودانية المختلفة ، واستيعابها ومن ثم إسقاطها في أشعاره وفي ذلك يقول والد الشاعر:-

" لا شك أن تجوالي في مناطق السودان المختلفة الشاسعة الواسعة أسهم بصورة كبيرة أساسية في تكوين شخصية ابني محمد ... حيث كنت أصطحبه معي ضمن أفراد الأسرة إلى المناطق التي أستقر فيها طويلاً ، وعلى سبيل المثال في مناطق جبال النوبة تنقلنا في جبال الداير ثم هيبان .. أبو جبيهة كودة ، تقلى عباسية .. كادقلي ، الدلنج تلودي ، جبال الليري ، تيرة ، كل هذه المناطق شاهدها محمد معي وعاش مع أهلها ، شهد الطبيعة الخلابة وبساطة الناس التي تصل إلى حد البدائية في بعض المناطق في ذلك الأوان ". (5)

والدته السيدة عزيزة إسماعيل فوزي من مواليد 1924 ابنة مهندس في المساحة كان يكتب الشعر مما حدى بابنه سعد إسماعيل (6) أن يتأثر به ويكتب الشعر أيضاً.

وتقول السيدة عزيزة في نشأة ولدها :

" ابني منذ نعومة أظفاره كان مولعاً بقراءة مجلة الصبيان ومجلة الأطفال التي ترد من الخارج .. وكان أيضاً يكتب في صحف الحائط وحينما صار صبياً كان يكتب بعض الأبيات المتفرقة عن الحياة والطبيعة إلى أن عرف والده ونهاه عن كتابة الشعر حتى لا تؤثر على مستواه الدراسي ولكن محمد كان يخفي كتب الشعر في كتبه المدرسية " ، وعلى الرغم من معرفتها بذلك إلا أنها أخفت هذه المعلومة عن والده . (7)

وذكر والده أنه سمح له بالكتابة بعد أن زارهم جمال محمد أحمد (Cool صديق الأسرة الذي كان يعمل سفيراً في لبنان ، وأخبرهم أن عدداً من المثقفين اللبنانيين يسألون عن محمد عبد الحي ، وأن كتاباته تثير ضجة في الأوساط الأدبية هناك.

ولكن بدأ يمارس كتابة الشعر بجدية عندما كان يدرس في مدرسة حنتوب الثانوية ، وفي عام 1963م كتب قصيدة لأخته في يوم عرسها قائلاً فيها :

ماذا أرى في يومك الذهبي ، داعي السرور يطوف بالطرب

ليل به الأنوار ساطعة

والقلب يقفز من بشرى ومن طرب

روحي على الأيام هانئة

لترفلي في العز والنشب يا زينة النسب

كما أنه كان قد كتب قصيدة عريس المجد في رثاء الشهيد القرشي حيث قرأت أثناء دفنه حسب علم والدته . (9)

وفي عام 1963 نشرت قصيدته العودة إلى سنار حيث أثارت ضجة كبيرة في جريدة الرأي العام السودانية ثم نشرت في مجلة " الشعر" المصرية ومجلة شعر اللبنانية لتعرف على مستوى الوطن العربي ، وكذلك لتكون من اللبنات الأولى لتيار الغابة والصحراء في الشعر السوداني (10) وكتبها وهو في حوالي الثامن عشرة مما يدل على النبوغ المبكر والفكر الثاقب الذي يتجلى في كتابات الشاعر.

ومنذ دخوله جامعة الخرطوم في 1962 كان من أشهر شعراء الجامعة يقرأ شعره في المحافل والندوات داخل وخارج الجامعة ، كما كان يكتب في الصحف والمجلات الحائطية وكذلك في الصحف السودانية خاصة الرأي العام صفحة الجامعة (11)

وبعد تخرجه في 1967 ، في قسم اللغة الإنجليزية بمرتبة الشرف الثانية العليا عين مساعد تدريس في قسم اللغة الإنجليزية حيث بعث للدراسات العليا لإنجلترا في جامعة " ليدس Leeds " أعد رسالة الماجستير عن شاعر بريطاني اسمه أدوين مويير حيث طبعت في كتاب بعنوان : (الملاك والفتاة: الضرورة والحرية عند أدوين مويير) (12) ، ثم نال درجة الدكتوراه عن بحثه (التفكير والتأثير الإنجليزي والأمريكي على الشعر العربي الرومانتيكي) في سنة 1972 من جامعة " أكسفورد ".

ورجع الشاعر إلى السودان ليعمل أستاذاً مساعداً في قسم اللغة الإنجليزية يدرس الأدب المقارن والأدب الإنجليزي ، ثم انتدب للعمل مديراً لمصلحة الثقافة 1976 ـ 1977 في عهد الرئيس جعفر نميري ، وكان في ذلك الزمن يحاول النظام أن يؤكد على استفادته من كل الكفاءات ويحقق انفتاحاً بعد أن كان مغلقاً ، ودخل محمد عبد الحي الاتحاد الاشتراكي مما أثار عليه كثيراً من اللغط والتساؤلات مما أورثه الحزن إذ أنه كان يعتقد أنه يحقق أحلام جيله بعمله مديراً لمصلحة الثقافة وبالفعل لقد كانت فترته تلك من أعظم الفترات التي مرت على الثقافة السودانية حيث أنشأ مركز ثقافة الطفل والثقافة الجماهيرية وكذلك بدأ مهرجانات الثقافة التي دعا فيها كبار شعراء الوطن العربي مثل محمود درويش وأحمد عفيفي مطر ونزار قباني وإلى جانب ذلك نشاطات في كل أضرب الثقافة من مسرح ومعارض وتشكيل فقد كانت بالفعل مهرجانات عامرة ، ولكن كل هذا لم يعفه من تبعة وضع يده مع نميري وفي ذلك يقول عبد الله علي إبراهيم:

" فعبد الحي مثلاً عين مديراً لمصلحة الثقافة واضطرته المداراة لأن يدخل الاتحاد الاشتراكي وكان ذلك مثار أسئلة ونقد من بعض الأصدقاء وكنت أقول لهم إن عبد الحي يريد أن يخلق مصلحة ثقافة وهي حلم من أحلام جيله من خلال مصالحة ربما كانت فادحة " . (13)

وبعد رجوعه إلى جامعة الخرطوم قام بتأسيس مجلة الآداب الخاصة بكلية الآداب وكان أول رئيس تحرير لها . وكذلك في بداية سنوات السبعين قام هو ويوسف عيدابي بتحرير الملحق الثقافي لصحيفة الصحافة وكان بحق ملحقاً منفتحاً على كل الكتاب والأدباء باختلاف اتجاهاتهم الفكرية ولكن تم إيقافه لادعاء البعض (14) أنه لا يتناسب وسياسة الدولة آنذاك.

وفي عام 1980 والشاعر في أوج شبابه وعطائه أصيب بجلطة دماغية ناجمة عن مرض القلب عطلت مناطق اللغات في الدماغ ومحت كل اللغات التي يعرفها بما فيها اللغة الأم وكذلك أعاقت جسده ، وأجريت له عملية قلب في أكتوبر 1980 في لندن حيث شفي بنسبة 85% وبدأ في تعلم القراءة والكتابة من البداية بفعل إرادته القوية وصلابته استطاع أن يتجاوز إعاقته ورجع إلى وظيفته في الجامعة مرة أخرى .

ومرضه هذا غير فيه الكثير إذ أصبح أكثر تديناً إذ كان يعتقد أنه سيشفى إذا ذهب إلى العمرة ، وبالفعل ذهب إلى العمرة وبعد ذلك ذهب إلى لندن. (15)

" في السنوات الأخيرة من عمره تغير محمد كثيراً وأصبح أكثر تديناً وكان يقول بعد أن شفي في عام 1980 إنني شفيت بسبب تلاوة القرآن ". (16)

وفي عام 1987 أصيب مرة أخرى بالجلطة وكان في " مانشستر" حيث رجع إلى السودان وهو مشلول وكان يستخدم كرسياً طبياً ، وقد كتب في ذلك الوقت رسالة إلى صديق عمره عمر عبد الماجد رسالة حزينة وقال فيها الشاعر ذهبت إلى لندن بساقين وعدت بأربعة عجلات ، ويقول أيضاً :

السماء فتحت مرة ثم أغلقت

وأخذت الأشياء تلم نفسها فالعالم حزين (17)

وفي منتصف شهر يونيو 1989م مرض الشاعر حيث نقل إلى مستشفى سوبا الجامعي حيث بقي تحت العلاج إلى أن أسلم روحه إلى بارئها في 23/8/1989م وهو في أوج شبابه وعطائه وبموته فقدت البلاد سمندلها المغرد عليه رحمة الله.

كان محمد عبد الحي متزوجاً من عائشة موسى وله منها أربعة أطفال .

فكره وثقافته :

لقد اهتم محمد عبد الحي بكثير من القضايا الفكرية والأدبية منذ صباه ، وحمل هموم الثقافة السودانية وتساؤلات الهوية والانتماء وثنائية الشخص السوداني ، وكان من الرواد الذين كتبوا في الهوية والقومية تنظيراً وتطبيقاً .

ولقد حسب على اليسار ، ولكن هل كان محمد عبد الحي حقاً يسارياً ؟

لم ينتم محمد عبد الحي أبداً إلى اليسار (18) والانتماء المعروف هو محاولته للانتماء لحزب الأمة ، حيث رفض طلبه ، فسارع بالانضمام إلى الوطني الاتحادي ، يدلل على ذلك ما ذكره الشاعر نفسه إلى عمر عبد الماجد ..

" يا عمر إن بي شيء في صدري حسبتها لمدة بعد أن (أصابتن) لكمة معنوية عنيفة ، ورفضت معية حزب الأمة القومي رفضاً باتاً (بأنلا) (19) أكون عضو بينهم لقد كانت إهانة ثقافية بالغة ليس لي وحدي ولكن لكل الجيل الجديد الذي يقرأ ويمزق ويكتب ويحاول أن يبني بناءاً ثقافياً مفيداً في هذا الوطن الممزق ". (20)

ومن جهة أخرى ذكر عبد الله علي إبراهيم الذي ينتمي إلى الحزب الشيوعي السوداني " أن محمد عبد الحي ترك الحزب الشيوعي في أوائل الستينات". (21)

ولكن المتتبع لكتابات الشاعر الإبداعية لا يجد فيها أي نزوع مادي في أعماله بل نزعة صوفية إيمانية عميقة (معلقة الإشارات - الله في زمن العنف - العودة إلى سنار) كما ندلل على ذلك بقوله هو نفسه :

" كشاعر أعتقد أني أختلف عن شعراء العصر في السودان - وفي العالم العربي - بإيماني العميق بهذا الجوهر الديني للوجود الإنساني وبإيماني الأعمق منه بأن هذا الجوهر بلغ أقصى نقائه وجماله الشكلي في الإسلام وهذا الإيمان إيمان خلق لا تحجر ". (22)

وقد ذكر لي الشاعر مصطفى سند أن محمد عبد الحي كان قد نفى انتماؤه لـ " أبيداماك " (23) والذي نشر في صحيفة الرأي العام. (24)

وخلاصة القول أن محمد عبد الحي كان رجلاً شجاعاً في إبدائه لآرائه والإعلان عنها دون مواربة أو خشية لومة لائم وأكسبه ذلك الكثير من الأعداء وأيضاً كان بسيطاً متواضعاً مما أكسبه حب الكثير من الناس (25) ولو كان يسارياً لما أخفى ذلك.

ثقافته:

آمن محمد عبد الحي منذ بداية شعره بفكرة الهوية السودانية ، وكان يرى أن الشخص السوداني عبارة عن هجين عربي – زنجي ، وأن من المفترض أن نعي ونعترف بهذه الثنائية في تكويننا دون أن نتنكر لأصولنا العربية ، أو نتنكر لأصولنا الزنجية من جهة أخرى ، وكان يرى أن رأب الصدع في السودان ولم شمل هذا الوطن الممزق لا يكون إلا بالحل الثقافي وليست بالحرب وأنه من المهم أن يفكر في بعث الإنسان السوداني العربي - الزنجي دون تغليب واحدة من الثقافتين على الأخرى أو اضطهاد واحدة على الثانية ، ولذلك استلهم رمز سنار ليرمز للسوداني العربي الزنجي وكتب (العودة إلى سنار) التي سنتحدث عنها لاحقاً بالتفصيل في الفصل الثالث ممثلاً فيها رؤيته لهذا الجزء من العالم الذي يسمى السودان .

ووقف عبد الحي عند مروى وهي حضارة سودانية عظيمة ولكن تجاوزها إلى رمز سنار باعتبارها الأكثر حضوراً في الذات السودانية (26)

ولكن يجب ألا نفهم من ذلك أن محمد عبد الحي كان يدعو إلى نظرة شوفينية سودانية ضيقة ، أو دعوة انعزالية شبيهة بالحركات الانعزالية الأخرى التي قادها بعض الشعراء في الوطن العربي ، مثل أدونيس (الفينيقية) ، ولويس عوض (الفرعونية) ، ولكن يدعونا أن نستبصر واقعنا السوداني ، وثنائيتنا الفريدة ، التي بدورها تشكل إضافة وليست نقصاناً.

" العودة إلى سنار لا تشبه أي دعوة انعزالية أخرى في الوطن العربي هي إدراك للخصوصية السودانية ضمن إطار عربي ممتد في العمق الإفريقي " (27)

ونجد أن محمد عبد الحي يرى للشعر وظيفة وللشاعر أن يخلق وعياً من محيطه وأن يفصل ويؤطر لثقافته .

" المتأمل لشعر محمد عبد الحي منذ قصائده الأولى المنشورة في صحيفة (الرأي العام) السودانية أوائل الستينات ومجلة الشعر المصرية ومجلة شعر اللبنانية يجدها تلقي تفسيراً للشعر عند التيجاني والمزيد من الضوء حول الشاعر الناضج الذي يحمل مسئوليته وتاريخه الإنساني والكوني وثقافته القومية وشعبه وسياسته وطبيعته" (28)

وقد ذكر كثير من مؤرخي الأدب السوداني مثل عبد الهادي صديق ، سلمى خضراء الجيوشي ، عبده بدوي انتماء محمد عبد الحي إلى ما يسمى تيار الغابة والصحراء (سنعرض له بالتفصيل في الفصل الثاني) ولكنه تنصل عن ذلك ونفاه عن نفسه في التذييل الذي كتبه لمقال كتبته سلمى خضراء الجيوشي عن العودة إلى سنار قائلاً :

" الأمر عندي هو أنني لست شاعراً من شعراء الجماعة فأنا أتكلم بصوتي الخاص بي الذي أعمقه وأثقفه حتى يتزاوج فيه الخاص بالعام والعام عندي هو تجربة الإنسان الواحدة المتكررة الباطنية الأعمق أو الأعلى من الزمن التي لا تتغير في جوهرها بل تتشكل في أشكال جديدة كل عصر " (29)

وقد ادعى بعض النقاد أن محمد عبد الحي كان متأثراً بالأدب الغربي وأن قصائده أشبه بالمترجمات ولكنه نفى ذلك عن نفسه قائلاً :

" أصولي الفكرية في كتاب الفتوح المكية لشيخي محي الدين ابن عربي وفي رسائل إخوان الصفاء لا في الشعر الإنجليزي " (30)

وفي الختام فإن المتتبع لأعماله يرى هذه المسحة الصوفية المميزة ، والعمق الديني يتجلى في غالبية شعره ولكنه مثقف درس في الغرب واطلع على الآداب الأجنبية الأخرى نجده يتحدث عن رموز عالمية مثل : لير وأوديب ليحقق بذلك أن الأدب لا وطن له ولكنه نتاج إنساني جمعي .

المراجع والمصادر :

1- "حنتوب" مدرسة بودمدني كانت في القديم من المدارس القومية لا يدرس فيها إلا أفضل الطلاب فالمنافسة لدخولها قطريه ودخولها وحده يعد شرفاً.

2- المجذوب، محمد المهدي: ديوان نار المجاذيب، دار الجيل، بيروت، 1952، ص 6.

3- انظر: بدوي، عبده: الشعر في السودان، عالم المعرفة، الكويت، 1981.

4- شاعر من شعراء الثمانينات درس في كلية الآداب ومن أصدقاء محمد عبد الحي ويُدرِّس حالياً في جامعة الخرطوم كلية الآداب.

5- إبراهيم علي، عبد اللَّه عبد الوهاب: (السمندل ما عاد يغرد في بيتنا)، ص 124، مجلة حروف، فصلية، عدد مزدوج ، ديسمبر / مارس ، السنة الأولى، 90/1991م.

6- شاعر وأديب مشهور، وكان أول عميد لكلية الاقتصاد جامعة الخرطوم ، صاحب ديوان "من وادي عبقر".

7- مقابلة مع مجذوب عيدروس في يوم 16/1/2000م ، أجرتها معه الباحثة (مرفقات).

8- جمال محمد أحمد كاتب وأديب سوداني متفرد.

9- إبراهيم علي، عبد اللَّه عبد الوهاب: (السمندل ما عاد يغرد في بيتنا)، حروف، ص 124.

10- مقابلة مع مجذوب عيدروس.

11- راجع صحيفة الرأي العام، 719، 1965، العدد 6195 حيث نشر مقالاً عن الأدب القومي.

12- كانت قيد النشر في مطبعة جامعة الخرطوم باللغة الإنجليزية، 1991.

13- إبراهيم ، عبد اللَّه علي: (ندوة المجلة)، حروف، ص 230.

14- عبد الماجد عمر: (ناحت الصخر)، حروف، ص 136.

15- حديث مع بروفيسور حسن أحمد إبراهيم وكان صديقاً للشاعر.

16- عبد الماجد عمر، (ناحت الصخر)، حروف، ص 136.

17- المرجع السابق.

18- مقابلة مع مجذوب عيدروس. مقابلة مع مصطفى سند، 12/1/2000، أجرتها الباحثة.

19- هذه الأخطاء اللغوية حفظت في نص الرسالة ومن الراجح أنها ناجمة عن مرضه.حروف، ملف العدد، ص 112.

20- حروف، ملف العدد، ص 112.

21- حروف، ندوة العدد، ص 227.

22- تعقيب كتبه محمد عبد الحي منشور بذيل مقال سلمى خضراء الجيوشي، مجلة الثقافة السودانية، أغسطس 1977، العدد الرابع، مصلحة الثقافة.

23- جمعية كونها اليساريون في سنوات الستين وأطلقوا عليها أبيداماك تيمناً بأول إله سوداني في مملكة مروى.

24- مقابلة مع مصطفى سند.

25- مجذوب عيدروس: (القصيدة والكلمة)، حروف، مزدوج، ص 103.

26- مقابلة مع مصطفى سند.

27- المرجع السابق.

28- المرجع السابق.

29- هذا المقال والتذييل في مجلة الثقافة السودانية، عدد أغسطس 1977، العدد الرابع، ص 97.

30- المرجع السابق. ومصطفى سند، سلمى خضراء الجيوشي.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abdellatif
مدير
مدير


عدد المساهمات : 91
نوع العضوية : 5
تاريخ التسجيل : 23/06/2010

مُساهمةموضوع: رد: السمندل في غياهب الغياب   الإثنين يوليو 26 2010, 15:34

السمندل في غياهب الغياب 2-3 ... د. نجاة محمود محمد الأمين
التاريخ: الأحد 01 سبتمبر 2002
الموضوع: أقواس

الفصل الأول :

محمد عبد الحي .. حياته وأدبه

المبحث الثاني : أدبه
/ السودان

محمد عبد الحي من الشعراء الذين أثروا الساحة الأدبية والثقافية في السودان بإنتاجهم الأدبي الغزير ، ولقد كان إنتاجه عبارة عن شعر ، وتنظير وترجمات ، ومن ثم يمكننا أن نقسم أعماله إلى قسمين وندرسها كل على حدة :

أولاً: مؤلفاته الإبداعية (شعره)

ثانياً: مؤلفاته النثرية (الدراسات النقدية والترجمات)

غالبية هذه الكتابات تتمحور حول الثقافة السودانية ، سواء كانت شعراً أو تنظيراً ، وكان محمد عبد الحي يؤسس لخطابه الأدبي المتكامل في حياته . ويمكننا أن نحصر هذه الفترة من 1963 إلى 1980 ، أي منذ كتابته " للعودة إلى سنار" وحتى مرضه . فهو كان قد أحرق كل شعره الذي كتبه قبل 1963 لتصبح " العودة إلى سنار" هي القصيدة الأولى و" حديقة الورد الأخيرة " هي الأخيرة .

وذكر أحد الشعراء * المعاصرين له " لقد فعل ما لم يجرؤ عليه واحد منا جميعاً .. نحن شعراء الخمسينات والستينات بوجه خاص ، قام بحرق جميع أشعاره التي سبقت مطولته العودة إلى سنار واعتبر أنه بدأ الآن ـ آنذاك" (1)

والشاعر هنا يكشف عن نفسه حين يتحدث عن الشاعر التيجاني يوسف بشير فيقول :

" إن شعر الشاعر ونثره مختلفان لنشاط روحي وعصبي وذهني واحد متصل ، إن الشاعر (كل متصل) في سلوكه وتفكيره وتعبيره دون نكران سويعات الهزة الشعرية قد تتخطى كل ما يسنه الناقد من قوانين وأعراف وتتفوق عليها ، وإن كل قصيدة جديدة هي إضاءة روحية وفكرية جديدة "(2)

ويواصل حديثه قائلاً :

" حقاً إن الشاعر ربما ينقض ما كان أثبته ذات يوم ، فيخرج بذلك بعض مؤرخي الأدب ، وقد يخيب أمل بعض حوارييه فيه ، وقد يتأتى له حواريون وقراء جدد ، ولا يفعل ذلك غالباً ، إلا الشاعر المتجدد المكتشف" (3)

ثم يضيف رأي الشاعر الإنجليزي و.هـ. أودن ليدعم رأيه:

" إن آراء الكاتب ، أي كاتب هي غالباً مظاهر حواره مع نفسه عما عليه أن يفعل في مقبل أيامه وما عليه أن يتجنب فالشاعر عنده ، ناقد لا يحفل بغير كاتب واحد (هو نفسه) ولا يهتم إلا بأعمال لم توجد بعد (هي قصائده)" (4)



أولاً ـ أعماله الشعرية :
لم يكن محمد عبد الحي شاعراً فحسب بل كان منظراً ومفكراً ، صاغ هذا الفكر والتنظير في قالب شعري غير تقليدي وغير متناقض مع أطروحاته الفكرية ، ويظهر ذلك حين ندرس شعره من مدخل تقسيمه إلى مضمون (Theme) وشكل (Form) ولأنه صاغ غالبية شعره في قوالب حديثة مضمنة بمضامين حديثة ، متطورة على حسب حركة المجتمع ليعطينا هذا الشعر الساحري ، الذي كلما قرأناه ، وجدنا فيه أبعاداً جديدة لم نكتشفها للوهلة الأولى .

" فهو الشاعر المرتبط بالعصر ولكنه غير غافل عن الجوهر الإنساني الخالد المتجدد عبر دورة الحضارة وهو غير منقطع في مجتمعه . فهو أحد الأصوات القليلة في الشعر العربي والتي استطاعت أن تقدم إجابتها على جدلية الحداثة / الأصالة والالتزام / جماليات القصيدة " (5)

والمتأمل لشعر محمد عبد الحي لا يفوته أن يلاحظ ثقافته الرفيعة ، ومعرفته الواسعة فلا غرو فقد كان محمد عبد الحي أستاذاً جامعياً يدرس الأدب الإنجليزي والأدب المقارن ، اطلع الشاعر على الآداب العالمية وخبرها وقد انعكس ذلك على شعره ، وجعله شعراً شمولياً ، متعدد الأدوات الفنية فنجده يشتمل على الموسيقى ، والتشكيل ، والأساطير العالمية ، والمحلية " كان موسوعة في الثقافة ، متعدد الاهتمامات يتحدث حديث العارف المتبحر في التاريخ والسياسة والفلسفة والشعر والمسرح والموسيقى والرسم والتصوف والفلك " (6)

لم يكن محدود الثقافة فقد أخذ من الآداب العالمية والمحلية فقد تحدث " عن وضاح اليمن ، والشيرازي ، والمتنبي ، والخيام ، وابن سينا ، وابن رشد ، وابن خلدون ، وشكسبير ، وبودلير ، وطنبل ، والتيجاني ، ونيرودا ، وبيكاسو ، ولوركا ، وماركيز ، وسنغور ، كمن عاش معهم واختلط وعرف أسرار ودقائق فنونهم وصناعتهم " (7)

وقد أتاح له التنقل في أقاليم السودان المختلفة ، أن يكتسب خبرة واسعة ومعرفة بالثقافات السودانية المختلفة المتعددة والمتنوعة . وقد أدرك أبعاد هذه الثقافات بالمعايشة الحقيقية ، وهذا التنقل أعطى الشاعر بعداً انعكس على شعره " فالتأمل الناتج عن تجواله داخل الوطن منذ الطفولة يمثل نهراً باطنياً يروي أشعار هذا الشاعر " (Cool

وتعدد الأخيلة في شعره ناجمة عن ترحاله في طفولته المبكرة فهو " جوال جاب أرض وطنه منذ أن كان طفلاً ، طبيعة السودان الثرية البكر غذت شعره وكسته غنائية ساحرية مثل الحلم " (9)

وهو " ينبهنا في حواراته المتعددة أنه تأمل ببصره وعقله وخياله الأنهار الضخمة وهي تهدر حمراء اللون والجبال والشمس المصهدة ، والزراف ، الثعابين ، الجواميس ، الوعول ، الأيائل ، الغزلان ، الأسود ، النمور ، القرود والببغاوات " (10)

كما كتب شعراً يضج بالأخيلة ، والعوالم " الفنتازيا " الأسطورية ولكنه شعر يتحسس ويمس هذا الواقع ، فهو شعر لا يعاني من انقطاع عن الواقع المعيش أو من غربة ثقافية لأنه يرى أن للشاعر مهمة تتجلى وتنحصر في كشفه لهذا العالم المادي والروحي الذي يعيش فيه " فالشاعر الذي يكشف عن كنوز الروح الجماعي هو الشاعر الذي يستجيب باللغة لنداء الكون تلك الشمس الكامنة في جسد الوطن إلى طبيعته وفي حضوره التاريخي وثقافته القوية لا في مظهرها الخارجي إنما في تحقيقها لوجودها الروحي في التاريخ وتبلور طريقتها الخاصة المنفردة في النظر إلى علاقة الإنسان بالأرض والزمان والسماء " (11)

فإذا أمعنا النظر في أعماله الفنية نجد هذا الشاعر يعمل على إظهار بعض المضامين في شعره مثل : الانبعاث الحضاري ، البحث عن الهوية السودانية ، والثقافات المحلية ، معطيات التراث الغربي ، والوجود الديني في النفس البشرية وفكرة الموت ، والفكر الصوفي ، وقهر السلطة ، والتفاوت الطبقي ، ومضامين عاطفية ومضامين كونية .

وهذا على سبيل المثال وليس الحصر ، إذ قد تكون هناك مضامين أخرى ولكن نجد أن عبد الحي على الرغم من تحرره من الشكل التقليدي للقصيدة العربية إلا أنه احتفظ بوحدة الموضوع لا في القصيدة الواحدة بل في الديوان الواحد كله . فقلما نجد شاعراً يكتب ديواناً كاملاً في موضوع واحد ففي " العودة إلى سنار " مثلاً كان سؤال الهوية يطرح وجوده في الأناشيد الخمس ، مما يجعلنا نحس أنها قصيدة واحدة طويلة وكذلك " حديقة الورد الأخيرة " نرى أيضاً فيها وحدة الموضوع ، بل يمكن أن نقول أن " العودة إلى سنار" و" حديقة الورد الأخيرة " امتداد لبعضهما البعض على الرغم من الفارق الزمني بينهما ، فيقول الشاعر في ذلك : " العودة إلى سنار هي القصيدة الأولى ، والأخيرة هي "حديقة الورد الأخيرة " وبينهما سنين ، كبر الشاب وتفرع وشرق وغرب ورجع ثانية وكان الرجوع مليئاً بكل الهدايا الثمينة التي خزنها في دمه وجبلته ، ورن عن بعد الجرس الذي يقول في ساحة المدينة إن الشاعر قد عاد ، تلك كانت قصيدة العودة ثم بعد ذلك بدأ شغله مع الناس وبالتالي كثف لغته واخترع تقاليد جديدة بلغة جديدة يقول بها الشيء الذي يقوله مرة أخرى بصورة جديدة " (12)



1 ـ نماذج شعرية للمضامين (Themes) التي ضمنها شعره :
أ - الانبعاث الحضاري :

في قصيدة مروي 1961م و(مروي) هي مملكة سودانية قبل التاريخ ، كان أهم ما في تلك المملكة ، النزوع نحو التفرد والذاتية ، حيث كانت لها لغتها الخاصة (اللغة المروية) وكذلك نبذت الآلهة المصرية واعتنقت عبادة الإله (ابيداماك) (13) ، وها هو شاعرنا يقف على (مروي) القديمة ليسترجعها بخيال شاعر معاصر رأى تلك الخصوصية ، وتمناها لبلاده . كما نجده قد تجاوزها فيما بعد ، لرمز (سنار) التي رأى أنها الأنسب في الرمز لشخص السوداني الذي هو في أصله هجين عربي زنجي مسلم بعكس شخص مروي الذي هو زنجي فقط ، ولا يمثل السوداني الآن . وأرى أنه ربما عندما كان صغيراً وغريراً كان يرى رمز (مروي) هو الأفضل ولكن بعد أن كبر وتجاوز هذا الحس الشوفيني وأدرك أن انضمام السوداني المسلم العربي هو الامتداد الطبيعي والصحيح للسودان ، وكنت قد ذكرت في مبحث حياة الشاعر في الفصل الأول (14) ، أنه عندما ادعى اليساريون أنه ينتمي إلى (أبيداماك) نفاها بعنف على صفحات الجرائد مما أورثه الكثير من الأعداء .

" حين أبحرنا إلى (سنار) عبر الليل كانت
سدرة التاريخ تهتز بريح قادم من جزر الموتى
وكان الكروان الأسود الريش يغني
في غصون الشوك صوتاً
كان غناه على شرقة (ترهاقا) قديماً ،
ثم أمعنا مع الريح على الصحراء ( والصحراء كانت
مدناً مدفونة في الرمل ، أشباحاً تراءى ،
وعظاماً نخراتٍ ) وانحدرنا عبر سور الغاب ،
والمستنقع الأخضر ، والجسر . أعُدْنا ؟
قاب قوسين . أعدنا ؟
هاهي البوابة الأولى : بساتين من النخل ، وخيلٌ
في المراعي . ها هي البوابة الأولى : أعدنا ؟
كيف لا ؟ وجهٌ برونزيٌّ ، كتابٌ ،
ونقوش ذهبيات ، ودرعٌ ،
ورماح أبنوس .
كان حلماً أن نرى النبع وميلاد الطقوس (15)
في القفر وحدي تحت شمس (مروي) أقرأ في حطام
أحجارها السوداء والرخام
أنصت للعصفور
بين بساتين النخيل والرمال والصخور
مغنيا عبر العصور .
ألمس بالكف جبين صاحبي وملكي ..
أمرر الأصبع فوق حاجب الجبهة والعيون والشفاه :
أية أشكال وراء النظر الصخري
يا مَلِكي ـ أية أحكام على الشفاه .
ليس لنا سوى القبول
ليس لنا ...
وفي انتظارك ليلة الحصاد كي تبارك الحقول
وفي انتظارك البتول ليلة التمام كي تكتمل البتول .
وحين أبحرتْ على المياه
شمسُك بين سعف النخيل
كنتُ مغنيِّك مغنِّي الأرض والإله .
في القفر وحدي تحت شمس (مروي) أقرأ ـ والبخور
يغمرني ما زال ، ما زالت مواكب النذور
تساق عبر الردهات حيث نبعت من الصخور
راقصتي السوداء
وأشرقت فيها عروق الذهب الأحمر والأسماء .
يا ملكي ... فلتأمر الآن المغني كي يغني
نغمة الرضا إلى الآلهة القديمة
باللغة القديمة
ولتبدأ الرقصة عاجلاً فصوت الريح عبر الرمل والحقول
يثقله صهيل آلاف الخيول . (16)



ب - مضمون البحث عن الهوية والثقافات المحلية :

لقد كان سؤال الهوية هذا شغل شاغل للشاعر طول عمره ، وظهر ذلك بصورة جلية في قصيدته " العودة إلى سنار" التي اعتبرها النقاد خطاب الهوية السودانية (سنتحدث عنها بالتفصيل في الفصل الثالث) ، وكذلك وظف محمد عبد الحي الموروث المحلي في طرح مضامين وأفكاراً جديدة ، وقد برع في ذلك إذ يمكننا أن نقول إنه استلهم هذه الموروثات ، لا لأنه يؤمن بالسلفية ، بل ليستلهمها ثم يفجر فيها معاني وتحاميل معاصرة ، وبذلك يحقق غرضين مهمين فيحس قارئ شعره السوداني بعمق جذوره القديمة ، وإمكانية النزوع مستقبلاً إلى عالم مشرق إذا انطلقنا من ماضينا التليد . (17)

ولقد أظهر عبد الحي في هذه القصيدة مضامين الهوية والثقافات المحلية :

الليلة يستقبلني أهلي :
خيلٌ تحجل في دائرة النار ،
وترقص في الأجراس وفي الديباج
امرأة تفتح باب النهر وتدعو
من عتمات الجبل الصامت والأحراج
حراس اللغة ـ المملكة الزرقاء
ذلك يخطر في جلد الفهد ،
وهذا يسطع في قمصان الماء .
الليلة يستقبلني أهلي :
أرواح جدودي تخرج من
فضة أحلام النهر ، ومن
ليل الأسماء
تتقمص أجساد الأطفال .
تنفخ في رثة المداح
وتضرب بالساعد
عبر ذراع الطبال .
الليلة يستقبلني أهلي :
أهدوني مسبحةً من أسنان الموتى
إبريقاً جمجمة
مصلاة من جلد الجاموس
رمزاً يلمع بين النخلة والأبنوس . (18)



ج - مضامين معطيات التراث الغربي :

كما أسلفنا في المبحث الأول فأن محمد عبد الحي قد درس الأدب الإنجليزي والأدب المقارن فتوفرت لديه معرفة عميقة وواسعة بالتراث الغربي ونجد ذلك واضحاً في استلهامه لبعض الرموز من الثقافة الغربية التي غالباً ما يحملها مضامين ومغازي جديدة وكأني به يريد أن يؤكد على الأبعاد الإنسانية الجمعية للأدب ، يقول :

ثم لما كوكب الرعب أضاء
ارتميت .
ورأيت ما رأيتُ :
مطراً أسود ينثر سناء من نحاس وغمام أحمر .
شجراً أبيض ـ تفاحاً وتوتاً ـ يثمر
حيث لا أرض ولا سقيا سوى ما رقرق الحامض من رغو الغمام وسمعت ما سمعت :
ضحكات الهيكل العظميّ ، واللحم المذابْ فوق فسفور العبابْ
يتلوى وهو يهتز بغصات الكلامْ .
وشهدت ما شهدتُ :
كيف تنقض الأفاعي المرعده
حينما تقذف أمواج الدخان المزبده
جثةً خضراء في رملٍ تلظى في الظلام .
صاحبي قلْ ! ما ترى بين شعاب الأرخبيلْ
أرض " ديك الجنّ " أم " قيس" القتيل ؟
أرض " أوديب" و" لير" أم متاهات "عطيل" ؟
أرض " سنغور" عليها من نحاس البحر صهدٌ لا يسيلْ ؟ (19)



د - مضمون الوجود الديني في النفس البشرية :

يرى محمد عبد الحي أن الثابت في الإنسان هو وجود العنصر الديني المتأصل في النفس البشرية ونراه دائماً يؤكد على ذلك في كثير من أشعاره :

إشارة محمدية

فاجأتنا الحديقة
فاجأتنا الحديقة انعقدت ورداً وناراً في قلبها الأضواء
والخيول النورية البيضاء
والطواويس نشرت في بلاد الصحو ريشاً منسجاً
كل شيء في غصون الحقيقة
آسُ نارٍ ، وموجةٌ في بحار عميقة
من لهيب ومن جمال ويمن
يسقط الطير قبل أن يدرك الساحل منها
مستقبلاً في ابتهاج حريقه .
فاجأتنا الحديقة
فاجأتنا الحديقة الزهراء
أشرقت في مركزها القبة الخضراء
وتوالت بشرى الهواتف أن قد ولد المصطفى وحق الهناء ،
واكتست بالنور الجديد من الشمس ابتهاجاً وغنت الأسماء . (20)



هـ - مضمون الموت :

نجد أن فكرة الموت وهو " أول مراحل الانبعاث " تسيطر على الكثير من أعماله فهل هي هذه الرؤى الاستشرافية التي تميز هذا الشاعر المتنبئ ؟

قد مرض وهو في عنفوان شبابه ومات وهو في السادسة والأربعين بعد صراع مع المرض الذي أورثه العجز واليأس ، قد كتب قصائده تلك قبل مرضه هذا ، ولكن فكرة الموت دائماً ممددة في كثير من أشعاره ، ومن ذلك يقول :

إقرعي في عتمة الصمت المدوِّي
يا نواقيس الرياح الأربعة
على ذاك الميت يصحو ويغني
تحت شمسٍ مبدعة . (21)



هنا أنا والموت جالسان
في حافة الزمان
وبيننا المائدة الخضراء
والنرد والخمرة والدخان
من مثلنا هذا المساء . (22)



و - مضمون المعطيات الصوفية :

درس عبد الحي الرومانتيكية وأعجب بـ " التيجاني يوسف بشير" ولكنه وجد أنها حركة انغلاق على النفس لأنها حركة ذاتية ، ثم اتجه إلى الصوفية التي يرى أنها انفتاح على الكون والوجود والإنسان ، وقد كانت هذه المسحة الصوفية غالبة على جل شعره :

ركعتان للعاشق
اذبــــح فـــــؤادي إنني بك يـــــا حبيب متيم
أيضيء مصباح الهوى إن لــم يضئ فيه الدم
إني وقفت أمـــــــام بابك بالـعـــــــذاب أجمجم
لأراك تـشــرق في الظلام وفي المشارق أظلم
أنت الزوابــــــــع ينحدرن فــــلا يغالبها مجنّي
أنت الزلازل هدمت حصني ففي التشريد أمني
وسجنتُ فيك معانـقـــا حريــتي في ليل سجني
وقتلت فيــــك مغنياً للموت مــــا جهل المغني
جهلوا فـمــــا يدرون أنـــا ملتقى وتـــــرٍ ولحن
كالخمر تنمو في دم المخمور مــــــن كرمٍ ودن
أسفرت فيَّ ، فإنني مــــرآة وجهك يـــا جميل
وسملت عيني كي أراك بعيــــن قلبي يـــا خيل
فأنـــا الضرير يقودني شـــوقي إليك ولا دليل
وأراك دوني محض وهــم مشرق فوق الزمان
وأراك دون قصائدي لغة تفتش عن لسان(23)

ز - مضامين قهر السلطة والتفاوت الطبقي :

تظهر هذه المضامين في كثير من أشعار محمد عبد الحي خاصة في شعر سنوات السبعين التي ظهر فيها قهر السلطة في أقصى مظاهره ، فترة حكم الرئيس جعفر نميري (24) وكذلك بدأ التفاوت الطبقي يظهر في المجتمع السوداني بصورة واضحة ، ونورد هنا هذا النموذج ليدلل على ذلك ، فيقول الشاعر في قصيدة (التنين) :

رفرف التنين في ليل المدينة
أخضر الجلدة وهاج الشعل
وأنار النهر ، فالأصداف في الماء مرايا
والحصى في الرمل أزهار غريبة
وهدايا
من مغارات الفراديس الرهيبة .
ورآه الناس في غمرتهم بين اندهاشٍ ووجل :
فرآه الشرطي
ورآه اللص في مكمنه
ورآه صبية السوق ينامون على كوم القمامة
ورآه رجل القصر الفسيح
ورأته امرأة الكوخ الصفيح
ورأته العاهرة
ورآه الطفل والشحاذ والسكران :
وهْم ما رأوه أم حقيقة
أم حديقة
صعدت في السحر
للعلى ، أم هبطت من شرفات القمر .
رفرف التنين في ليل المدينة
صمتت أجهزة المذياع في كل البيوت
وأزيز الطائرات
ورزيز العربات
وضجيج الحافلات
والمطابع
والمصانع
والمحطات وأحياء البغاء .
وسرى في الصمت شيءٌ كالغناء
بعضهم قال : علامة !
بعضهم قال : " استعدوا ، إنه يوم القيامة "
" النهاية .. النهاية .. النهاية "
" البداية .. البداية .. البداية " . (25)



ح - مضامين عاطفية :

نلاحظ أن محمد عبد الحي قلما يكتب شعراً عاطفياً ، كما ذكرت آنفاً في المبحث الأول أنه كان قد أحرق كل الكتابات العاطفية في السابق ، لأنه يرى أنها تناقض ولا تتطابق مع رؤاه وأفكاره لهذا العالم ، ولذلك نجد بعض القصائد العاطفية ، ولكنها محملة بتحاميل فكرية وفلسفية ، ففي قصيدة (سماء الجسد) :

حبيبتي عيناك كوكبان ولكنك لا ترين شيئاً .
اليد كالقيثارة تغني أثناء الحديث .
الجسد كالقيثارة يغني تحت الأغطية ،
أو يعكس بروج النجوم في العرام .
رحلتي في جسدك رحلة شتاءٍ وصيف .
أنت مكة النساء
شعرك يسيل موسيقا وزخرفة .
الثور يحرث الحقل ،
اللبوة تصرخ في الغابة
الوردة السحرية تلتهب في أعماق كهوف العقيقْ
الفخذان يرتعدان مثل فهدين
سماء الرجل تغطي أرض المرأة
التفاحة العطنة ترجع للغصن القديم . (26)



كما نجد الشاعر في قصيدة (حب في زمن فقير) :

كان ندى الليل على شعرها
وفي قميصي من قميصها طيوب
الأرض تستعير من غمائم الربيع ما يستر من فقرها
كأنها مسافرٌ مسلوب
ونحن في الريح التي تعول في قفرها
لا شيء غير العري والوحشة والرعب الذي تركه جمالنا المنهوب . (27)



ط - الأبعاد الكونية :

نجد أن الأبعاد الكونية التي هي سمة بارزة في أشعار محمد عبد الحي تتمحور في غالبية قصائده ، فكيف لا ومحمد عبد الحي صمد طول عمره وسعى من خلال شعره أن ينظم هذا العالم المختل ويعيد توازنه في رؤية متكاملة مع نفسه والكون من حوله ، ليثبت العالم الإنساني الموحد والمرتبط بالوجود لكل الكائنات والظواهر الطبيعية . ومن شعره رأيت أن قصيدة (سمندل في حافة الغياب) هي أنموذج أمثل تتجلى فيه الأبعاد الكونية:

لو ضاع في نزوعه البحري ، فالعباب
ـ عبر زمان البحر ـ والملح سينحتان من عظامه المبلوره
حدائقاً من صدف تضيء في صيف الليالي المقمره
على رمال ساحل الغياب
وهي على منسجها منتظرة
تسير بالزمان للأمام مرةً ، ومرة تعود بالزمان القهقرى
لبرهة تضيء خارج الزمان حيث تلتقي
ببرهة الغربة برهة الإياب
كنّ يغنين على الصخرة ، والجدائل المنتشره
أزهار فسفور على الخليج
الجسد الأخضر مسقيٌّ بلون البحر
ومشبعٌ بعسل الزنابق المسمومة الأريج
في الحلم الرافع في الليل مرايا الماءْ
غريبة النقوش والأسماء
كان يرى النحل الذي يزحم مشغولاً جذوع الشجر القديم ، والجذور
تمص لحم الأرض في شهوتها الطينية العمياء (28)
وحينما أجهش صوت الموجة المنحسرة
كان يرى الطيور في الصيف إلى أعشاشها المبعثرة
تعود ، والدم الذي يزبد ، في حضوره الأنقى ، على التراب
ووقفة السمندل ، المبتل بالنار ، على الخضرة فوق حافة الغياب
وهي على منسجها منتظرة
في الصمت ، بعد آخر الليل وقبل أول النهار
تنصت للحوار
يمعن بين البحر والأرض بصوت اللغة القديمة
اللغة الأقدم من مجادلات النصر والهزيمة
الأقدم الأنقى من الهجرة والإياب في مرافئ الأسى والانتظار
في العدم الساكن ، بين لغة البحر وشكل النار . (29)



وكذلك قصيدة (وطن الموت) التي يظهر فيها مظاهر الطبيعة :

الموت كان وطناً يضيء في المطر
أمام عينيك
هنا النحل يجيش في مخابئ الشجر
مستغرقاً يطبخ زبد العسل البريّ والعصير في الثمر
منعقدٌ . وفي الهواء
من ذكر النحل لقاعٌ . والحقول
مثقلة بالتبر . هذا آخر الفصول
فالشمس فوق الأرض تستميت . والسماء
وارية الزرقة . والأشياء
تسكن في سعادة التمام
النضج مس كل شيء : تمت الشهوة حتى سقطت
في ظلمة الذكرى وبئر الدم والأحلام .
وتم شكل الفكر في الكلام . (30)



وبهذا يتضح لنا أن مضامين الشاعر بها تنوع وعمق ، كما نعرف أن "محمد عبد الحي" تناول عدداً كبيراً من المضامين الفكرية والثقافية ، فشعره الغزلي لا يقوم على علاقة بين امرأة ورجل ولكنها علاقة إنسانية ذات أبعاد وجودية ، كما نرى أن فكرة الانبعاث الحضاري ليست ناجمة عن مكان بعينه بل هي انبعاث إنساني كامل .

طرق هذا الشاعر أشياء جديدة وسابقة لأوانها عندما كان الصراع في السودان ما زال بين الشعر الحديث والقديم نجده بدأ يكتب عن الهوية السودانية نائياً بنفسه عن هذا الصراع الشكلي .

وخلاصة القول : إن محمد عبد الحي عندما بدأ يكتب الشعر قد كان هناك تراكم كميٌّ وكيفيٌّ في الشعر السوداني ، فلم يتأثر بهذا فقد كان دائماً يحافظ على تفرد صوته . ويسعى لذلك . وعلى هذا نراه قد أعجب بنموذجين لشاعرين سودانيين هما إسماعيل صاحب الربابه شاعر السلطنة الزرقاء ، وكذلك التيجاني يوسف بشير .

ونجد أن مجذوب عيدروس قد ذكر أن محمد عبد الحي يعتقد أنه امتداد لهاذين الشاعرين وقد كتب قصيدة تتبع فيها إسماعيل صاحب الربابه وهي قصيدة " حديقة الورد الأخيرة " وكذلك كتب قصيدة " هل أنت إلا إشارة " للتيجاني يوسف بشير الذي جمع محمد عبد الحي أعماله وحققها وكتب عنه الكثير من المقالات ، وفي هذا يقول مجذوب عيدروس: " إن عبد الحي نظر في مرآة شعر التيجاني وفي مرآة شعره فأذهله توحد الفهم رغم الفوارق في العصر والثقافة والبيئة وصوره في تجليات العبقرية تتجدد صورها والجوهر واحد " . (31)



ثانياً ـ الأعمال النثرية والترجمات :
كتب محمد عبد الحي بجانب الشعر كثيراً من الأعمال النثرية وهي أعمال غير إبداعية ، ولكن معظمها دراسات نقدية لأعمال شعراء محليين أو عالميين ودراسات في الثقافة وبعض الكتابات السياسية .

وقال سعد عبد الحي : " في الفترة الأخيرة من حياته لم يكن محمد يهتم بكتابة الشعر ، وكان جل اهتماماته قد تحول إلى معالجة قضايا الثقافة والفكر في السودان وكان يردد دوماً بأن الثقافة في السودان لم تعد بكثير حاجة إلى الشعر بقدر حاجتها إلى الفكر ووضع الأسس " (32) . كما يقول محمد عبد الحي :

" نحن لم نكتب الشعر من أجل الشعر .. الشعر كتبناه من أجل قضية ومن أجل هدف ولكن نحن بحاجة الآن إلى فكر ومفكرين " . (33)

ومن ثم يمكن تقسيم أعماله النثرية إلى قسمين :

1 ـ أعماله التطبيقية .
2 ـ أعماله التنظيرية .

1 ـ الأعمال التطبيقية :

هي عبارة عن دراسات نقدية حومت حول مجموعة من الشعراء السودانيين مثل التيجاني يوسف بشير الذي اهتم به محمد عبد الحي اهتماماً كبيراً حيث جمع له أعماله النثرية وحققها وقد أثار هذا الكتاب ضجة في السودان ، وكذلك كان يريد أن أن يحقق ديوانه (إشراقة) على الرغم من أن هذا الديوان قد حقق بواسطة هنري رياض ، كما كتب كتابه (الرؤية والكلمات قراءة في شعر التيجاني يوسف بشير) (34) . كما يجدر أن ننبه أنه قد كتب كثيراً من المقالات عن التيجاني يوسف بشير نذكر منها على سبيل المثال وليس الحصر :

1 ـ الرؤيا والكلمات قراءة جديدة في شعر التيجاني . (35)
2 - التيجاني يوسف بشير الهيكل الشعري (طبيعة الشعر ومهمة الشاعر) . (36)
3 ـ صورة الشعر عند التيجاني يوسف بشير . (37)

كما نجد أن الأساطير والقصص الشعبية كانت تستهويه إلى درجة كبيرة ، فلا غرو فقد كان يضمنها بكثرة في أشعاره وكذلك كتب عنها بعض المقالات نذكر منها على سبيل المثال:

1 ـ العرب والأساطير الإغريقية . (38)
2 ـ الشيخ إسماعيل صاحب الربابة (التأريخ والنموذج الأسطوري لمفهوم الشاعر في كتاب الطبقات) . (39)

وكذلك من المجالات التي اهتم بها هي الأدب الإنجليزي وهو مجال اختصاصه الأكاديمي وقد كتب كثيراً من الدراسات النقدية التي حومت حول الأدب الإنجليزي ونذكر منها :

1 ـ الملاك والفتاة ـ الضرورة والحرية في شعر أدوين موين . (40)
2 - التقليد والتأثير الإنكليزي والأمريكي على الشعر العربي الرومانتيكي . (41)
3 ـ التراث والتأثير الخارجي في كتابة الرومانتكيين العرب . (42)
4 ـ أنشودة المطر بين أليوت وشيلي والتراث العربي . (43)

كما كتب بعض المقالات النقدية حول دواوين سودانية مثل :

1 ـ البراءة والتجربة في نار المجاذيب . (44)
2 ـ متاهة المرايا ـ رومانتكية الثورة في ديوان الجواد المكسور . (45)

كما أيضاً كتب بعض الكتب عن الثقافة السودانية وهي :

1 ـ الهوية والصراع . (46)
2 ـ السياسة الثقافية في السودان . (47)

وخلاصة القول إن الشاعر محمد عبد الحي قد أسس لخطابه الأدبي الإبداعي بوضعه خطة أدبية نظرية شمولية تحدد مفهوم الشعر عنده والنقد ورأيه في المدارس الأدبية ، وكذلك اهتم بالأدب المقارن . وأهله لذلك معرفته الممتازة باللغة الإنجليزية وسعة اطلاعه باللغتين العربية والإنجليزية . كما تحدث أيضاً عن فهمه لما ينبغي أن تكون عليه الثقافة السودانية .

2 ـ الترجمات :

عني الشاعر محمد عبد الحي بالترجمات ، فهو قد قام بترجمة كثير من الأعمال النظرية والشعرية من اللغة الإنجليزية إلى العربية وقد قال عن الترجمة :

"هناك نقاط مرتبطات حول مفهوم الترجمة الشعرية في اللغة التي يستعملها المترجم في بيئة ثقافية أخرى ـ فاللغة ارتباط بالحضارة الموضوع في بيئته الثقافية ـ يدل على المعنى الثقافي الحضاري والمعنى اللغوي والموضوعان مرتبطان (الواقع) من خارجنا و(الذهن) من داخلنا فالشجرة في إنكلترا ـ مثلاً ـ تدل على تأريخ عميق بازدهارها فإذا ترجمت من نص شعري فقدت أغلب دلالتها ومحتواها لأن الشجرة في بيئة عربية ذات تأريخ حضاري يضرب في أعماقها ويختلف اختلافاً بيناً عن الشجرة الغربية " .

ويضيف موضحاً ما يرمي إليه :

" ولكنه مختلف في الذهن الثقافي ويصبح الانشقاق مريعاً بين اللغة (الوضعية) واللغة الذهنية أو الثقافية والحضارية " .

فيضيف في معرض حديثه عن رأيه في الترجمة :

" إذا بدأنا عملية انتقال اللغة إلى لغة أخرى فالاثنان اللغة والحضارة مرتبطان ارتباطاً وثيقاً لا فكاك منها " .

وبعد ذلك وضح رأيه في المترجم حيث قسم المترجمين إلى نوعين ، المترجم الخلاق ، والمترجم المثالي :

هذه الفلسفة اللغوية الحضارية عن قصد أو غير قصد .

ومن هذا المنطلق فقد قام محمد عبد الحي بترجمة كثير من القصائد لكتاب إنجليز وكذلك لكتاب أفارقة :

1 ـ قصيدة أغنية حب ، ج. الفرد بروفروك ، التي كتبها ت.س. اليوت (1888 ـ 1965) التي نشرت في مجلة " شعر" الأمريكية سنة 1915.
2 ـ نشر كتاب أقنعة القبيلة به عدة قصائد لشعراء أفارقة مثل "سنجور" و"سيزار" . (48)

وخلاصة القول ان محمد عبد الحي كان كاتباً معطاءً ومجوداً . ولقد عكست أعماله هذه ثقافته الواسعة وتعدد منابعه . وقد اكتفينا بهذا القدر من أعماله لأن هذا البحث أصلاً عن أعماله الشعرية ولكن ارتأيت أن أقدم نماذج لأعماله النثرية في هذه العجالة .

الهوامش :

* الشاعر : هو الشاعر مصطفى سند.
1 سند ، مصطفى: (محاولة الولوج إلى عالم عبد الحي)، مجلة حروف، العدد (2 ـ 3)، مزدوج، دار النشر، جامعة الخرطوم، ص 175.
2 عبد الحي، محمد: التيجاني يوسف بشير، السفر الأول، الآثار النثرية الكاملة، ص 5.
3 المرجع السابق نفسه.
4 المرجع السابق نفسه.
5 عيدروس، مجذوب: (القصيدة والفكرة)، مجلة حروف، ص 146.
6 البنا أحمد الأمين: (رأيت عبد الحي)، حروف، ص 181.
7 المرجع السابق.
8 المرجع السابق.
9 المرجع السابق.
10 المرجع السابق.
11 عيدروس، مجذوب، ص 142.
12 البنا، أحمد الأمين: (رأيت عبد الحي)، ص 180.
13 ابيداماك: إله في مملكة مروي، راجع كتاب: الإله آمون في مملكة مروي، تأليف عمر حاج الذاكي، مطبوعات كلية الدراسات العليا، جامعة الخرطوم، 1983.
14 هذا البحث، ص 44.
15 حروف، العدد المزدوج، ص 191.
16 المرجع السابق، ص 190.
17 إنني هنا لا أعني أنه كتب على نهج الواقعية الاشتراكية حتى لا يتأول هذا إلى غير محمله ولذا وجب التنويه. الباحثة.
18 عبد الحي، محمد: العودة إلى سنار، ص 8 ـ 9.
19 عبد الحي، محمد: العودة إلى سنار، ص 16.
20 عبد الحي، محمد: الأعمال الكاملة، ص 76.
21 عبد الحي، محمد: ديوان حديقة الورد الأخيرة، الطبعة الأولى، 1984، دار الثقافة للنشر والإعلان، ص13.
22 المرجع السابق، ص 4.
23 المرجع السابق، ص 28.
24 جعفر نميري قاد الانقلاب العسكري سنة 1969 في مايو على حكومة ديمقراطية وجثم على أنفاس الشعب السوداني من مايو 1969 إلى ابريل 1985م حكم فيها البلاد بقبضة من حديد.
25 ديوان حديقة الورد الأخيرة، ص 11 ـ 12.
26 المرجع السابق، ص 44.
27 المرجع السابق، ص 14.
28 عبد الحي: الأعمال الكاملة، ص 160.
29 المرجع السابق، ص 105.
30 ديوان حديقة الورد الأخيرة، ص 54.
31 عيدروس، مجذوب، (القصيدة والفكرة)، حروف، ص 148.
32 عبد الحي سعد: (لم يعد السمندل يغرد في بيتنا)، حروف، ص 124.
33 المرجع السابق.
34 دار ابن زيدون، بيروت.
35 مجلة الثقافة السودانية، نوفمبر 1976.
36 مجلة الدراسات السودانية، العدد الأول، أغسطس 1985.
37 مجلة الثقافة السودانية، السنة الأولى، العدد الثاني، فبراير 1977.
38 مجلة الثقافة السودانية، فبراير 1977.
39 مجلة حروف، العدد الأول، 1990، دار النشر، جامعة الخرطوم.
40 طبع بمطبعة جامعة الخرطوم، وهو أطروحة الشاعر لنيل الماجستير.
41 طبع بمطبعة جامعة الخرطوم، وهو أطروحة الشاعر لنيل الدكتوراه.
42 مجلة حروف، العدد الأول، 1990.
43 مجلة المعرفة الشعرية، أكتوبر 1979م.
44 مجلة الخرطوم، 1971، المجلس القومي للآداب والفنون.
45 مجلة الدراسات السودانية، 1988.
46 طبع بمطبعة جامعة الخرطوم، سنة 1976.
47 طبع بفرنسا، المؤسسة الصحفية، اليونسكو، 1982.
48 طبع بمطبعة جامعة الخرطوم.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abdellatif
مدير
مدير


عدد المساهمات : 91
نوع العضوية : 5
تاريخ التسجيل : 23/06/2010

مُساهمةموضوع: رد: السمندل في غياهب الغياب   الإثنين يوليو 26 2010, 15:35


الفصل الأول :
محمد عبد الحي .. حياته وأدبه

المبحث الثالث : الشكل الشعري
ويحتوي على :
1 ـ اللغة الشعرية
2 ـ الصياغة الشعرية والموسيقى

قد قسمت الشكل إلى اللغة والصياغة الشعرية والموسيقى وقد يقسم إلى أكثر من ذلك كما فعل الناقد محمد حمود (1) عندما قسم شكل القصيدة الحديثة إلى الصورة والظاهرة الرمزية والأسطورة واللغة. ولكنني قسمتها إلى هذا التقسيم لأنني أرى أن أهم ما في شكل القصيدة الحديثة بنوعيها المرسلة الحرة والنثرية . اللغة الشعرية والصياغة الشعرية والموسيقى .

أولاً ـ اللغة الشعرية :
إن اللغة هي الأداة التي يطوعها الأديب ليحملها أفكاره . إذن اللغة هي بمثابة الوعاء الذي يحمل أفكار ذلك الأديب . فلكل أديب قاموسه الخاص الذي يستخدمه ، ويعرف به . فإذا كان أديباً متفرداً ، أتت لغته مميزة ، دالة عليه ، وبذلك يتميز بلغته الخاصة ، وهذا قمة ما يسمو إليه أي أديب .

والشاعر عبد الحي اخترع لغة خاصة به ، لغة مدهشة وعجائبية تلفت النظر في شعره وتأسرك بسحرها الذي لا يمكن الفكاك منه ، فهي لغة منعتقة من ربقة التقليد والتكرار ، ونجد أن عبد الحي قد كوّن قاموسه الخاص فأتت لغته رنانة ، وعالية تحمل أفكاره بصورة منظمة ليست فيها اختلال ولا زيادة ولا نقصان .

فلا غرو فمحمد عبد الحي قد تحدث عن اللغة الشعرية بعامة كثيراً واهتم بها كثيراً . وعن لغته الشعرية بخاصة نجده يتحدث عنها في كثير من المقابلات قائلاً :

" أبحث في اللغة العربية ، وأنحتها (على حسب مقدرتي) وأبرزها قصيدة ، الشعر لغة ، لا خطرات نفسية أو آهات غرامية ، فمن يكبح جوهر اللغة يكبح الشعر فجوهر اللغة - وهي جوهر الشعر - وحي من اللَّه " . (2)

فاللغة الشعرية عند محمد عبد الحي مختلفة عن اللغة القاموسية وأيضاً تختلف عن اللغة العامية ، وفي هذا يقول :

" فالشاعر يطمح في أن يكتب شعراً لا يعبر عن شيء ، ولا يتأمل في موضوع ، وتتفجر فيه أكثر وأكثر القيمة المطلقة للكلمة في موسيقاها وشكلها وشخصيتها وتضمحل قيمة الكلمة القاموسية ، شعراً ، وإنشاء ، ونظماً أو لونا خاصاً به تكتسب فيه الكلمات دلالاتها من علاقتها داخلة يفسر بعضه بعضاً ولا يفسر بالارتداد إلى أي نظام لغوي أو غير لغوي مثل اجتماعي وسياسي وديني خارجه " (3)

كما أن اللغة لا يمكن أن تتحول إلى غاية ، وحتى يكتمل الفرض يجب أن يصاحب اللغة هذه وعي واستيعاب ، وألا تكون مجرد زخرف قد يعني شيئاً أو لا يعني شيئاً ، وبهذا التزم شاعرنا عبد الحي . فاللغة عنده لديها هدف واضح وجدوى لنقل إحساسه ووعيه بالأشياء .

" وعبد الحي لا يفعل في شعره زخرفة أسلوبية بل تكون هناك علاقة بين الشكل واللون الفني المستعاد ومضمون موضوع صورته الشعرية ". (4)

ومن ثم فإن عبد الحي لديه فهم خاص للغة ووظيفتها المحدودة ، فاللغة بالنسبة له كالسحر ، الذي يخفي شيئا ويظهر شيئاً آخر ، فهي لغة تنقل مفاهيم عليا فقد كان الشاعر يردد دائماً " إن الشعر جحيمي أكابده باللغة " ، وفي هذا يقول كاتب : (5)

"عبد الحي لديه فهم لوظيفة اللغة فاللغة عنده لها وظيفة السحر".(6)

ولكن إذا كانت اللغة بالنسبة له " كالسحر" هل هي سحر فقط ؟! أم أن هناك تداعيات لهذا السحر ، وهنا يقول أحد المهتمين بأعمال محمد عبد الحي: (7)

" إن اللغة "السحر" عند محمد عبد الحي سحراً ساكناً ، بل هي حركة للتوتر بين اللغة القديمة والجديدة ، اللغة السحرية واللغة التي تعبر عن واقع الحياة اليومية للناس". (Cool

كما أن محمد عبد الحي نفسه يؤكد ن المفردة يجب أن تكون دالة على المضمون ولكن يجب أن نضع في اعتبارنا أنها لا يمكن أن تخلق الواقع وفي هذا يقول :

" إن المفردة في حد ذاتها شكل جميل ذو مدلول لا يتم إلا عبر سياق". (9)

ومن ثم إن اللغة هي شيء في واقعنا وهي تتكون من مفردات غير متناهية ، وأحياناً قد تعجز عن نقل ما في دواخلنا . ولكن الشاعر المميز هو الذي يعيد كشف هذه اللغة وتجليتها ليحملها أفكاره ورؤاه الخاصة . ولقد كان محمد عبد الحي في حالة كشف ذاتي للغة ليكون قاموسه الخاص . ولعل أبلغ ما قيل عنه في هذا الشأن قول أحد الشعراء :

" لقد صرح لي ذات مرة بأنه يبحث عن لغة خاصة ، لغة تنظر إلى واقع هذا القطر الفسيح ، القارة المتنوع المناخات الجغرافية ، لغة تشتمل البحر والاستواء والبرق والفهد والزرافة . والجبل والنار والشلال ، والجيشان ، والعنف ، التصوف ، والانقطاع ، والحلول والسياحة في ملكوت (الله) وقيومية الدين والطوطم والوثن .. الخ .. الخ " . (10)

وفي عرضنا لبعض نماذج من شعره تظهر لنا غرابة لغته وتفردها كما تظهر إمكانياته الشعرية العالية يقول :

زرافة النار ترعى النعنع القمري (11)

يعلو ويرتفع في اللازورد (12)

صحراؤك احترقت عنادلها (13)

هل ظنتها رحم الأبدية (14)

فالأصداف في الماء مرايا (15)

اقرعي في عتمة الصمت المدوي (16)

يكتنزها بين سقوف القمر الزمردي تحت ماء وجهه الجميل (17) أقاليمك المسحرات قلب السمندل ما ذال في لغة (18)

آه يا ضحك الشمس الخرافي على خوف الجماهير الحزينة (19)

اللغة الأقدم من مجادلات النصر والهزيمة (20)

حين تعري الأرض فرجها اللَّهيبي (21)

يتلوى ويغيب عبر أمواج السديم (22)

أواه : أيتها الدروب التي تصل المنفى بالوطن (23)

أواه : هل لي بقدرة شاعر أصف بها كل ذلك العذاب (24)

الوردة الإلهية تتفتح في رحم العذراء (25)

النماذج السابقة هي مختارات رأيت فيها بعض الاستخدام للغة بصور خلاقة وساحرة وأردت بها فقط أن أبرز نموذج اللغة عند محمد عبد الحي وسنحلل نماذج شعرية له بصورة نقدية في الفصل الثاني والثالث ولذا وجب التنويه .

الصياغة الشعرية وموسيقى الشعر:
صاغ محمد عبد الحي شعره على ثلاثة أنواع :

1 ـ القصيدة الحرة

2 ـ القصيدة النثرية

3 ـ القصيدة الموزونة

وتتراوح أطوال هذه القصائد من قصيدة إلى أخرى . فنجده قد كتب قصائد مطولة مثل العودة إلى سنار التي تقع في خمسة أناشيد . وقد يتجاوز النشيد الواحد المائة بيت . كما نرى قصيدة أقل من سابقتها طولاً مثل قصيدة "الشيخ إسماعيل صاحب الربابة" وللشاعر مقطوعات قصيرة تسمى بالقصيدة الومضية لا تتجاوز الأربعة شطرات لتكتمل فيها صورة أو فكرة وهذا نموذج للقصيدة الومضية يتحدث فيه عن الموت .

" نواقيس الرياح الأربعة

اقرعي من عتمة الصمت المدوي

يا نواقيس الرياح الأربعة

على ذاك الميت يصحو ويغني

تحت شمس مبدعة (26)

أولاً ـ القصيدة الحرة :
المتأمل لشعر محمد عبد الحي يكتشف أن غالبية قصائده ، كتبها على أوزان الشعر الحر أو شعر التفعيلة ، لا تحكمه قافية وإنما تحكمه الموسيقى الداخلية ، الناجمة عن التفعيلات ، ونقول عن شعره :

" أن إيقاع الجملة وعلائق الأصوات والمعاني والصور وطاقة الكلام الإيمائية والذيول التي تجرها الإيماءات وراءها من الأصداء المتلونة المتعددة هذه كلها موسيقى وهي مستقلة عن موسيقى الشكل المنظوم وقد توجد فيه وقد توجد دونه". (27)

كما أن شعر محمد عبد الحي الحر يمتاز بتقنية عالية حيث استخدم فيه كل الأدوات الشعرية مثل :

1 ـ المنلوج
2 ـ الحوار
3 ـ الإضاءات النثرية
4 ـ التكرار
5 ـ علامات الترقيم
6 ـ التضمين للأساطير والحكايات الشعبية والشعر الشعبي

كل هذه الأدوات والتقنيات الشعرية استخدمها ليكثف الرمز واللغة ، وكذلك بالإضافة إلى ما ذكرنا آنفاً نجد تعدد مستوى الخطاب عنده فنجد أحياناً الأنا تتحول إلى نحن وكما أحياناً يستخدم الخطاب المباشر .

1 ـ نموذج المنلوج : وهو أن يسترسل في حديث مع نفسه وهو عكس "الدايلوج" أو الحوار الذي يشترك فيه شخص مع آخرين.

" في القفز وحدي تحت شمس "مروى" اقرأ في حطام أحجارها السوداء والرخام
أنصت للعصفور
بين بساتين النخيل والرمال الصخور
مغنياً عبر العصور
ألمس بالكف جبين صاحبي وملكي
أمر بالأصبع فوق ثنية الحاجب والعيون والشفاة
ليس لنا سوى القبول
ليس لنا سوى القبول "(28)

2 ـ نموذج الحوار: وهي بين شخصين أو بين شخص وأكثر من شخوص وهو عكس "المنلوج" الذي فيه صوت واحد مع النفس .

" من ذلك الراقص فوق المجزرة
يقلق أمن المقبرة ؟
أقاتل أجير؟
أم هارب قد جاء يستجير
أنا السمندل
يعرفني الغابر والحاضر والمستقبل
مغنياً مستعزا صبين مغاني العلم المندثرة
وزهرة داهية في بطن أنثى في الدجى منتظرة " (29)



3 ـ نموذج الإضاءات النثرية : وهي قطعة نثرية مكتوبة بلغة شاعرية . تقوم بتسليط الضوء على النص الشعري وكشفه . ويري بعض النقاد مثل نازك الملائكة أن استخدامها يسيء للشعر أكثر مما يفيده . ولكن غالبية شعراء الحداثة (30) يستخدمون هذه الإضاءات :

" الملكة جانشاه ! كنت أبصرها تخرج ليلة منتصف الصيف تقيم عرشها على جذر المرجان النائية تحرق قطعة من شجر البحر في مجمرة من محار البحر وتتحكم بثغره القديم فيطلع الدخان الأخضر العظيم ، ويزبد البحر ويضطرب ، ثم يجيء الموج يرفع ما تحته ويسيح على الساحل :

ثعابين الماء والكواسيج والدلافين والحيتان والسرطانات ، وكرارنك وذوات الأصداف والغلوس وعلى رأسها الضفدع ، زعيم حيوان الماء ، راكب خشبة .

الملك السمندل في قميص النار يشع بالنقاء ذاته والنورس الملاك ، وعائلة الأسماك وجمهور الزواحف الرخوة وحشرات في عقيقها وزمردها سلاحف ، تروسها المقيتة ، وعناصر بلا أسماء نشر ذخائرها فوق الرمل .

وتبدأ الرقصة في ظهيرة الفضة العميقة على حدود المياه الخطرة .

آه يا جانشاه ! بعض المخاطرة على جسدك نجاه ، ولكن من هلك على نيران الموج الهائلة بين فخذيك الممتلئين بظلال الشهوة الكثيفة صار لما هلك فيه."(31)



4 ـ نموذج التكرار : وهو أن نكرر مفردة وحيدة أو مفردة في بيت نقصد به تكثيف المعنى أو للصورة الذهنية المراد طرحها أو للقافية والموسيقى وقد تكون هناك أسباب أخرى . وهنا نورد نموذجين واحد لمفردة واحدة والثاني لمفردة متبعة بجملة شعرية من قصيدة التنين:

"وسرى في الصمت شيء كالغناء
بعضهم قال: علامه!
النهاية … النهاية … النهاية
البداية … البداية … البداية" (32)

من قصيدة الشيخ إسماعيل في منازل القمر :

"اسقني" ويغيب وجهه في السراب

اسقني وتجره سلسلة طولها سبعون ذراعا

اسقني لا تمطر السحب سوى نار السراب (33)

5 ـ علامات الترقيم : وهي علامات تضع في الكتابة لتفيد الوقف حيناً والتعجب والتأهب وهكذا ، - . - ؟ - !- :

" هم ما رأوا غير السقوط :
هنا سقوط
أو هناك ،
وكان بالأمس السقوط
وفي غدٍ حتما يكون :
ورأيت سوى توهج حرمة التفاحة الأولى
وقد رجعت إلى بيت الغصون المزهرة ."(34)



6 ـ نموذج التضمين للأساطير والحكايات الشعبية والشعر الشعبي : وهي استخدام التراث الأسطوري والشعبي لإبراز صورة ما تم استلهامها للتعبير بالتراث عن قضية معاصرة . وقد أكثر شاعرنا من هذا التضمين فقصيدة العودة إلى سنار والشيخ إسماعيل صاحب الربابة عبارة عن تضمينات تراثية قديمة لطرح مفاهيم وأفكار الشاعر العصرية :

" الفرس البيضاء
الفرس البيضاء
تميس في الحرحر والأجراس
على حصى الينبوع يستفيق طفل الماء
ويفتح الحراس
أبواب "سنار" لكي يدخل موكب الغناء" (35)

تضمين الشعر الشعبي

" الشم خوخت بردن ليالي الحرة " (36)
الرمل يرسب من قرارة بحبة الخمرة
نوع وأوراق ميبسة
تخشخش حين دفعها الهواء ،
وقطرة في إثر قطرة
الضو يفرغ
والنهار يفوتني
والليل حتماً سوف يقضي في أمره (37)



ثانياً ـ قصيدة النثر:
قصيدة النثر ترجمة حرفية لمصطلح غربي هو: “Poemen Prose” تكتب كما يكتب النثر تماماً ، التي هي في تقدم مستمر وجدت بالتحديد ، في كتابات رامبو النثرية الطافحة بالشعر كموسم في الجحيم ، إشراقات ، ولها أصول عميقة في الآداب كلها لا سيما الديني منها والصوفي .(38)

لقد عالج محمد عبد الحي هذا النمط من الكتابة الشعرية ، ونجد أن هذا النمط من الشعر النثري ، لم يعالجه الشعراء في السودان ، لأن هذا النمط من الشعر ينظر إليه بدونيه ، ولكن هذا الضرب من الشعر لا يقدر عليه إلا شاعر ذو مقدرة عالية في الكتابة إذا أنه لا تحكمه تفعيلة لتجعل له موسيقى شعرية بل موسيقاه تأتي من فكرته .

وتحارب الشاعرة نازك الملائكة هذا النوع من الشعر ولا تعده شعراً على الرغم من أنها أول من كتب قصيدة بالشعر الحر.

"ما نكاد نلفظ كلمة الشعر حتى ترن في ذاكرة البشرية موسيقى الأوزان ، وقرقعة التفعيلات ورنين القوافي واليوم جاءوا في عالمنا العربي ليلعبوا لا بالشعر وحسب وإنما باللغة أيضاً وبالفكر الإنساني نفسه . ومنذ اليوم ينبغي لنا ، على رأيهم ، أن نسمي النثر شعراً والليل نهاراً لمجرد هوى طارئ وقلوب بعض أبناء الجيل الحائرين الذي لا يعرفون ما يفعلون بأنفسهم".(39)

وكذلك نجد الكاتب صبري حافظ يرى نفس هذا الرأي قائلاً :

" حركة قصيدة النثر التي تنقض بمعاولها على كل أساسيات الشعر وتخرج تماماً عن نطاقه ".(40)

ويقف في طرف النقيض كثير من الأدباء الذين تبنوا هذا الضرب من الشعر ونظروا له ونكتفي برأيي يوسف الخال وأدونيس الذين هما من الرواد الأوائل في هذا النمط من الشعر وهو يقول في الرد على نازك وآخرين :

" إذا كانت الدعوة إلى قصيدة النثر دعوة (ركيكة فارغة من المعنى) كما تقول نازك الملائكة فكل ما كتبه شعراء كبار كلوتر يامون وبودلير ورامبو وفلوديل وهنري وأرنو وسان جون بيري (الفائز بجائزة نوبل) ورينه شار وموتوفوا من نوابغ الشعراء المعاصرين كل ما كتبه هؤلاء من قصائد نثر هو فن ركيك فارغ من المعنى! " . (41)

وبالمقابل يذكر أدونيس (على أحمد سعيد):

" إنه من غير الجائز أن يكون التميز بين الشعر والنثر خاضعة لمعيارية الوزن والقافية ، فمثل هذا التميز كمي لا نوعي ، كذلك ليس الفرق بين الشعر والنثر فرق في الدرجة بل فرق في الطبيعة ". (42)

ومن ثم نرى ولوج محمد عبد الحي لهذا الضرب من ضروب الشعر ، ينم على انفتاحه على العالم ، وإيمانه بأن الأدب هو إرث إنساني ، لا وطن له ، وهو يرفض الانغلاق وبذلك نعتبره الرائد الأول في كتابة القصيدة النثرية في السودان ، وهو كان قد كتب قصيدته الطويلة بعنوان : "حياة وموت الشيخ إسماعيل صاحب الربابة" في قالب القصيدة النثرية.

ونجد أن الشاعر نفسه ـ وهو مولع بشرح شعره بعمل إضاءات وحواشي ـ لم يشرح مسوقات استخدامه لهذا الضرب من الشعر في هذه القصيدة بعينها ، ولكن الشاعر مصطفى سند يحاول أن يوضح لنا أسباب استخدام محمد عبد الحي لقصيدة النثر في قصيدة إسماعيل صاحب الربابة قائلاً :

" نجد أنه ولسبب لم يفصح عنه حتى الآن صاغ ملحمته عن الشاعر الأسطوري الشيخ إسماعيل صاحب الربابة صياغة تخلو من الإيقاع الشعري ومن الأوزان والقوافي ".(43)

ثم أضاف سند بعد أن أثنى على لغة الشاعر الجميلة ومقدرته الشعرية الغالية التي تتجلى في مطولته (العودة إلى سنار) أن الشاعر لا يخلو من موهبة شعرية وفي ذلك قال سند :

" في اعتقادي الخاص أن عبد الحي أراد أن يحول تجربة الشيخ إسماعيل صاحب الربابة إلى عدم تماماً أول الأمر فجردها من الأوزان". (44)

ويستدرك متسائلاً : " ولكن لماذا؟ " ويحاول سند أن يبرز أسباب استخدام هذا الضرب من الشعر فيربط بين إسماعيل صاحب الربابة الحكاية الشعبية السودانية وأرفيوس في الأسطورة الإغريقية ، فكلاهما شاعر وكلاهما لديه قيثارة ذات قدرات خارقة ، فيقول سند :

" هنا يجد عبد الحي نفسه في حل كبير من ربط هذا بذاك غير رباط شعري متين بكل أحماله وأبعاده وإسقاطاته الموجودة في العروض العربي ، وهو في ذات الوقت يبحث عن الشمول ويتحدث عن اتصالات الحضارات ". (45)

فرأى محمد عبد الحي أنه إذا كتب هذه القصيدة متمسكاً بقوانين الشعر العربي فإنه بتقمصه (محمد عبد الحي) للشاعر إسماعيل صاحب الربابة (الخلاف بينهما واضح) سيحمل الشيخ إسماعيل فوق طاقته وينزعه من عصره .

" إذن فليكن ـ هذا رأي محمد عبد الحي ـ أن تأتي الحكاية شعرية ولكن عبر صياغة خفت عنها قيود الوزن لكي تسهل ترجمتها ـ ولكي تعطي الشخصية ـ إضافة ـ البعد الإنساني المطلق ـ أو العالمي الكبير".(46)

وهذا نموذج لقصيدة النثر:

الشيخ إسماعيل يشهد بدء الخليقة
1 ـ الفهد
وفجأةً رأينا الفهد مسترخياً في ظلمة الأوراق
الخضراء ، في الفوضى الجميلة بين الغصون .
النحل يعسل في شقوق الجبل.

والأرنب تستحم على الصخرة في الشمس
وهي تحرك أذنيها مثل شراعين موسيقيين صغيرين .

لم تحلق هذه الصقور باكراً؟

الغابة في سفح الجبل وبين فخذيه أنثى أقدم
من كل الإناث .
نساء الشجر تعرّي نفسها
السماء تدق طبلها الأزرق الجلد
وما زال بريق سيف البرق عالقاً بالهواء الحديد .
والأرض ميثاء وداكنة باللغة الأزلية .

هذا الرحم جدرانه الأمطار ، والنباتات المتسلقة .
وثمار الباباي والمنقة الذهبية . (47)

وكتابه القصيدة النثرية لقراء سودانيين ، مهما كانت الأسباب لا تقبل بينهم وتخلق عزلة للكاتب إذ أن غالبية السودانيين يرون أن هذا النوع من الشعر يدل على عقم المقدرة الإبداعية لدى الشاعر وأنه فشل في كتابة الشعر المألوف ، لذلك لجأ إلى هذه الزخارف اللغوية.

ثالثاً ـ القصيدة الموزونة ذات القافية :
كتب محمد عبد الحي أيضاً بعض القصائد الموزونة التي تلتزم بقوانين الخليل بن أحمد لينقل ويصور بها أفكار حداثية ومن هذه القصائد نورد القصيدة التالية :

سمعت صوتك

سمعت صـــوتك يا اللَّه يهتف بي
في الليل والبدر تم غير محدود

أدرك قصيدك من فوضى تلاحقه
فالعصر عاهرة سكرى بتجديد

لن تدرك البرق إلا أن تراوده
في النار من بين تطريق وتجويد(48)


ونموذج آخر :

رحيل الطاووس

بكرت سعاد وهجرت طاووساً
والربـــع كان بوجهها مأنوسا

الآل غـــــــــــرق أهلها دكتائباً
حملت بدوراً غصنه وشموسا

لو يبقى إلا حليــــــــة مكسورة
في الرمل تلمع حبوه وطقوسا

وجه المدينة نخلـــــــة منخورة
الفأر يولمها ويدعو السوسا(49)



وخلاصة القول أن الشكل عند محمد عبد الحي هو شكل حداثي ومتجدد على حسب أفكاره التي يطرحها .

ونجد أن محمد عبد الحي يعي إشكالية الشكل والمضمون وأنهما لا ينفصلان في القصيدة الحديثة .

والمتأمل لأعمال محمد عبد الحي يرى أنه شاعر تجريبـي وجريء في طرحه الجديد هذا لعله واثق من مقدرته الشعرية ، ولكن التجريب سلاح ذو حدين فغرابه وتجريبية شعر محمد عبد الحي في التجربة الشعرية السودانية جعلت شعره محدود الانتشار والتداول .(50)

هوامش :
1- راجع كتابه القيم (الحداثة في الشعر العربي المعاصر)، الشركة العالمية للكتاب، 1996.
2- سعد اللَّه، رباب: (حوار لم يكتمل)، مجلة حروف، العدد المزدوج 2-3، دار جامعة الخرطوم للنشر، السنة الأولى، 90/1991م، ص 134.
3- على، عبد اللطيف: (موقف الخطاب في كتاب الرويا والكلمات)، ص 158، حروف، عدد مزدوج.
4- البنا، أحمد الأمين: (رأيت عبد الحي)، حروف، مزدوج، 90/91، ص 180.
5- علي، عبد اللطيف: (ندوة المجلة)، حروف، ص 230.
6- محمد زين، إبراهيم: (ندوة المجلة)، حروف، ص 230.
7- سند، مصطفى: (محاولة للولوج إلى عالم عبد الحي)، حروف، ص 172.
8- علي، عبد اللطيف: (ندوة المجلة)، ص 230.
9- محمد زين، إبراهيم: (ندوة المجلة)، ص 230.
10- عبد الحي، محمد: حديقة الورد الأخيرة، الناشرون: دار الثقافة للنشر 1984، ص 1.
11- عبد الحي محمد: العودة إلى سنار.
12- حديقة الورد الأخيرة. ص 9.
13- المرجع السابق، ص 1.
14- المرجع السابق، ص 1.
15- المرجع السابق، ص 13.
16- العودة إلى سنار، ص 16.
17- عبد الحي، محمد: السمندل يغني، الأعمال الكاملة، مركز الدراسات السودانية، القاهرة، 1999م.
18- عبد الحي، محمد: اللَّه في زمن العنف، دار جامعة الخرطوم للنشر، ط1، 1993م، ص 72.
19- عبد الحي، محمد: (السمندل يغني)، ص 48.
20- المرجع السابق، ص 56.
21- المرجع السابق، ص 48.
22- المرجع السابق، ص 48.
23- عبد الحي، محمد: حديقة الورد الأخيرة، ص 40.
24- المرجع السابق، ص 40.
25- المرجع السابق، ص 45.
26- حديقة الورد الأخيرة، ص 12.
27- حمود، محمد: الحداثة في الشعر العربي المعاصر، ص 157.
28- عبد الحي، محمد: الأعمال الكاملة، ص 53.
29- حديقة الورد الأخيرة، ص 12.
30- منهم أدونيس، أحمد عفيفي مطر.
31- عبد الحي، محمد: الأعمال الشعرية الكاملة، ص 116.
32- حديقة الورد، ص 12.
33- حديقة الورد، ص 41.
34- عبد الحي، محمد: حديقة الورد الأخيرة، ص 19.
35- حديقة الورد الأخيرة، ص 51.
36- من قصيدة للحاردلو الكبير، مسدار إبراهيم الحاردلو، ديوان الحاردلو، الدار السودانية للكتب، ط5، 1991م، ص 10.
37- حديقة الورد الأخيرة، ص 12.
38- الملائكة، نازك: قضايا الشعر المعاصر، دار العلم للملايين، بيروت، ط8، 1989م، ص 220.
39- حمود، محمد: الحداثة في الشعر العربي المعاصر بيانها ومظهرها، الشركة العالمية للكتاب، بيروت، ط1، 1996، ص 192.
40- المرجع السابق.
41- المرجع السابق، ص 195.
42- المرجع السابق.
43- سند، مصطفى: حروف، ص 186.
44- المرجع السابق.
45- المرجع السابق.
46- المرجع السابق.
47- عبد الحي، محمد: حديقة الورد الأخيرة، ص 12.
48- المرجع السابق، ص 21.
49- المرجع السابق، ص 32.
50- راجع مقالات "القصيدة والفكرة"، مجذوب عيدروس، "رأيت عبد الحي"، أحمد يوسف البنا، حروف.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
abdellatif
مدير
مدير


عدد المساهمات : 91
نوع العضوية : 5
تاريخ التسجيل : 23/06/2010

مُساهمةموضوع: رد: السمندل في غياهب الغياب   الإثنين يوليو 26 2010, 15:41

هذه الدراسة بمناسبة ذكرى رحيل الشاعر د. محمد عبد الحي، وقد رحل في يوم 23/8/1989م، حيث تطل ذكراه في أغسطس القادم.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
السمندل في غياهب الغياب
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات قرية الموسياب :: جميع المنتديات :: المنتدى الثقافي-
انتقل الى: